( التعالق الجدلي أدبيا بين الأجيال ) بقلم أ.جلال ساجت

 (  التعالق الجدلي أدبيا بين الأجيال ) 



نحن جيل الخمسينيات * جيل لا ينكسر ، وعطاؤنا لا ينضب ، ولدنا في العهد الملكي وعاصرنا ثورة الزعيم وجمهورية نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة في عهد الزعيم كما عاصرنا جمهورية العارفين وجمهورية البعث وأخيرا جمهورية الاسلاميين .. 

أقول جيل لا ينكسر لأننا عشنا تفاصيل الحروب العبثية والعهود الكولونيالية وكنا نموت كل يوم وفي زمن الحصار بعنا كتبنا ليأكل أطفالنا ، وأقول عطاؤنا لا ينضب لأن شهيتنا للقراءة كانت فاغرة فاها منذ نعومة أظافرنا بدءا من مجلتي والمزمار في المرحلة الابتدائية ، وفي المتوسطة والاعدادية قرأنا روايات عربية وعالمية من نجيب محفوظ مرورا بإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله ومصطفى لطفي المنفلوطي كما قرأنا للعراقيين أمثال عبد الرزاق المطلبي وعبد الرحمن مجيد وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي ومالك المطلبي وغيرهم ممن لا تحضرني اسماؤهم بسبب ذوبان جليد الذاكرة في خريف العمر ، كما قرأنا من الروايات العالمية كالبؤساء لفكتور هيجو والأم لمكسيم غوركي والأخوة الأعداء لتولستوي كما قرأنا البرتو مورافيا وبين مدينتين لتشارلز ديكنز والحب في زمن الكوليرا ومئة عام من العزلة لغابريل غارسيا ماركيز وملائكة وشياطين لدان براون ناهيك عن الروايات البوليسية لأجاثا كريستي ، وفي الشعر قرأنا المتنبي والمعري والبحتري وابو تمام وجرير والفرزدق والمعلقات السبع ( أو العشر ) وفي الشعر الحديث قرأنا السياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري والجواهري وسعدي يوسف وأدونيس ويوسف ديب وأمير الشعراء أحمد شوقي وأبو القاسم الشابي ( الشاعر التونسي المرموق ) وبيرم التونسي والسوداني محمد مفتاح الفيتوري .. 

وفي الكلية قرأنا الفلاسفة الكبار أفلاطون ، أرسطو ، سقراط ، فولتير ، مونتسكيو وبرتراند راسل ، وفي سبعينيات القرن الماضي قرأنا الفكر الوجودي من خلال جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار ، البير كامو ، سلامة موسى وكولن ولسن في أشهر كتبه ( اللامنتمي ) .. ومن رواد العقد الاجتماعي توماس هوبز ، جون لوك  ، وجان جاك روسو ، هؤلاء نحن جيل المخضرمين لازلنا نقرأ رغم ضعف البصر وتدهور العمر نقرأ للشعراء الشباب كما نقرأ كتب النقد والتحليل وتفكيك النصوص حتى أتقنا حرفة الكتابة النقدية وتأكد لدينا ان لكل ناقد منهجه ورؤيته وأسلوبه ، لقد خلصنا الى ان الخطاب النقدي يشكل مدارا خصبا من مدارات الأدب الحديث ولعب دورا أساسيا في عملية التطوير التي خضع لها الأدب بصورة عامة والشعر بصورة خاصة ، ان غالبية المحاولات النقدية العراقية في ارهاصاتها الأولية هي محاولة تلمس البحث عن الحقيقة في واقع النصوص الابداعية ويحاول الناقد قدر الامكان تفسير مايرد من لفظة مبهمة أو تعبير خرج عن نطاق المألوف دون فرض سلطة الناقد وفرض أحكامه القيمية وجعلها سيوفا بيده حتى يغدو الناقد سلطانا لا يسمح للشاعر بالخروج عن ارادته ، قد تكون سلطة الناقد تقويمية لكني أفضلها أن تكون تقييمية في أغلب الأحيان لأن في تحليل النص لا يتجه الاهتمام في البحث خلف ماهو ظاهر بل الى إظهار أنماط التفرد الخاصة في تركيب النص نفسه وذلك يعتمد على ذوق الناقد ورهافة احساسه وخزينه المعرفي والثقافي في وقت يقف فيه العراق على مفترق طرق يمثل نوعا من رنة اليأس التي خيمت على أجواءنا الاجتماعية والثقافية لعقود طويلة من التشرذم والنفي والقسر وإنعاشا للذاكرة النقدية التي ضربت بالصميم وأهم من كل ذلك الوفاء والتشجيع لشباب مبدعين حرثوا في البحر لجلب عشبة البقاء ، ثمة ارادة لصناعة مخيال أريد له أن يبقى قابلا على التشكل والتمدد مع إصرار لانتاج رؤية شبه متجانسة قدمت أنموذجا ابستمولوجيا يتسم بالتناغم والحراك الأسلوبيين مع علو الصوت الذي خرق الأسماع التي كانت منشغلة بنفسها لما يحدث من جلبة في فضاء الأدب العراقي والعربي المعاصر ، هنا يكمن التعالق الجدلي الأدبي بين جيل الشباب الصاعد بقفزات واعدة وبيننا نحن جيل المخضرمين 

.............................................

* من جيل الخمسينيات كاتب المقال ، رجب الشيخ ؛ جواد الشلال ، عباس باني المالكي ، والقائمة مفتوحة لمن ينتمي الى هذا الجيل ويود أن يضيف أسمه 

الأخ العزيز الكاتب والأديب مازن جميل المناف 

                 

                  جلال ساجت 

                    أيلول ٢٠٢٠

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من المبدعين العراقيين ال ٥٠ حسين جبار الشيخ محمد

من المبدعين العراقيين ال ٥٠ عامر الساعدي

من المبدعين العراقيين ال ٥٠/ الشاعر مازن جميل المناف