القرائتان النقديتان عن ديوان / (على خطى معلمي) للشاعر عبدالرزاق الساعدي / الاديب رجب الشيخ و جلال ساجت
القرائتان النقديتان عن ديوان
(على خطى معلمي) للشاعر عبدالرزاق الساعدي
١_ الناقد والباحث جلال ساجت
٢_ الأديب رجب الشيخ
___________________
على خطى معلمي \ عبالرزاق الساعدى
......
ان الشعر كأي جنس او شيء يخضع لمعايير الانتاج والاستهلاك
والانتاج يعني هنا الشاعر او الاديب ...اما الاستهلاك فنعني به المتلقي وشروطه ومحدداته ونوع الذائقة التي يحتكم اليها ...
لذا فقد حتم التلقي نوعين هما التلقي الداخلي والتلقي الخارجي ونقصد بالداخلي هو نوع المتلقي المؤثر بنيويا في انتاج النصوص اي ان يكون المتلقي نخبويا ومؤثرا في تكوين النص وهذا يفرض على المرسل (الشاعر)قيما فنية وموضوعية توجب التوقف عندها والاستجابة لها من قبل الناص قبل ان ينتج نصه ..وهذا ينطلق من الملموس مع منظومة التلي التي يملكها الجمهور ولا سيما تعامله مع النصوص السابقة التي تحكم ذائقة الشاعر وجمهوره والثقافة التي يملكها الطرفان مع امتياز الشاعر بالخزين الثقافي والمعرفي الذي يفرضه موقعه النخبوي في المجتمع
اما المتلقي الاخر وهي ذات تغاير المؤلف وهي متعددة قد تكون فرة او جمعية
في مجموعة الشاعر عبدالرزاق الساعدي (على خطى معلمي ) ولكونها النتاج الاول له لم يعتمد الساعدي تلك المعايير بل اعتمد على الذائقة المجتمعية السائدة في الوقت الحاضر منضويا تحت بنية الاستجابة الجمالية بوصها بنية نصية تمثل الاستجابة للحس الجمعي وطبيعة الذوق المكون من الخبرة الجمالية التي يمتلكها الشاعر ويشترك فيها مع الافق الجالي السائد او المستقر التي من خلالها يمكن الاحاطة بما يقدمه الشاعر من اضافة وما يحافظ عليه من تقاليد في اداء مايشغل هذه الطبيعة الجمالية
احتوت مجموعة الساعدي على ثنائية الانحياز والالم التي ظهرت بشكل جلي في معظم نصوصه وسيطرة على معظم هذه النصوص فكان على الناقد الامساك بطاقتها الفعالة واشراقاتها المضيئة البينة والمبهمة فكانت رحلتي مع المجموعة غير مضنية بل ممتعة في اغلب النصوص
الساعدي كهل تعدى الخمسين من عمره ولم يلجا الى الشعر الحر او قصيدة النص المفتوح التي قد تتيح له الشهرة والنجاح كما اتاحت لغيره ممن هم في سنه او في سن الشباب وذلك لادراكة حقيقتين مهمتين
1 .ان قصيدة النص المفتوح التي بدأت في فرنسا بداية القرن العشرين وهي في الواقع ليست النموذج المتقدم عندهم فقد تخلوا عنها ولم يعد يكتبها كبار شعرائهم ومع ذلك نجد ان معظم شعراء العربية والشباب منهم خصوصا اذوا يمارسون هذا النوع من الكتابة وليتهم يحسنون كتابتها متصورين ان مجرد التخلص من الموسيقى والايقاع والوزن والقافية كفيل بان يجعلهم احرارا في قضية الابداع ( لاننكر ان هناك من ابداع في هذا الجنس الادبي )
2. ان كتابة قصيدة النثر بما تتطلبه من عمق في الثقافة وتمرسا دقيقا في استخدام المفردة اللغوية وكثافة صورية متميزة وبناء هندسي دقيق ومعمارية عالية الا انها للاسف لاتجد صدى واسع لدى 90% من المتلقي النخبوي والمتلقي البسيط على حد سواء
ادرك لك عبدالرزاق الساعدي مبكرا فبدأ بكتابة قصيدة التفعيلة الموزونة والمقفاة مع معرفته الكافية ببحور الشعر وقراءاته المعمقة لكبار الشعراء القدامى والمحدثين فانتج هذه المجموعة وفق بحور متعددة من الشعر العربي القديم
يستهل الساعدي مجموعته بقصيدة عن مسقط راسه (ميسان)
حيث يذكر فيها
عدوت مع الفتيان في كل حارة ....وذقت مرار الوجد في عشقها كهل
يؤمك وهج الشمس اذ انت رفدها ..ويطلع بالخمسين من وهجها ظل
تميس على الشطئان نسمة عطرها ..ويضحك عند الفجر برياضها فل
.....
وفي الغزل يقول الساعدي بقصيدة (اتى بك اللوم)
أتى بك اللوم ام شحت بك السبل ُ
افصح بما فيك اهل العشق ماعذلوا
كم راعني الوجد يسكن بحر قافيتي
ومثله الدمع اهل صدر قصيدتي خضلُ
سل انجم الليل يجمع بيننا سمر
بل يشهد الفجر والجوزاء او زحلُ
ويعرج الساعدي على دجلة باحتضارها مستذكرا الهور والقصب
أفي عيني رثاء ام بها عتبُ
لقد جف الندى واستحكم الجدبُ
غدا مثل الوهاد وماؤه وشل
بساقية كافعى مالها ذنب
الا يانهر كم نفس بك ارتحلت
وما يدريك انت اليوم تستلبُ
اتى طير الاوز الشهر موعده
وما علمت بان شفاهك الحطبُ
مواويل بعمق الهور قد خرست
انين الناي ردد صوته القصب
......
وفي الفخر يقول في قصيدة (ضياع المجد)
سلاك الدهر يامجدا تردى..وبان الوهن بالاوصال حدا
لتستعيدي الاسود بنات اوى...وتوهم نفسها لأُسد ندا
ايا بلد الندى في رافديه ...لك الاوصال والارواح تفدى
...
وفي قصيدة (لحن ميسان ) يحاول الساعدي ان يقترب من الجواهري
نسيم داعب الاغصان باللين ..اثار النفح من زهر البساتين
تمايل سعفها واستيقضت جذلا..بلابل انشدت كل التلاحين
ايا ميسان يالحنا بقافيتي ..ونبض الوجد يسري في شراييني
...
وفي قصيدة ( رثاء الاسباط) يحاول مضاهاة شاعر العرب احمد شوقي
على الاسباط ما امهلت دمعي ..وفيض الوجد اوشله انسكابا
وما فيض الدموع ثوى نداها ...فكان من الوجيب له جوابا
ايا من كنت في احضان طه ..واقرب صاحب منه انتسابا
..........
وفي قصيدة معادن الناس يريد ان يطال المتنبي
الصمت في مايعتريك جميل ...والعتب ان طال الخصام يطول
واعرض كانك ما سمعت ملومة..من زاد في لوم الجحود ذليل
الناس من كل الضروب معادن..ما كل من يبدي الوداد خليل
واصفح اذا ما الغير لم يترفعوا..من ينس بعض الطيبات بخيل
بعض النفوس تجاهلتك تكبرا ..ان التواضع للحسيب سبيل
لاتامنن الدهر في ضحكاته ..يوم سياتي والدموع تسيل
ماء الوجوه يبيعها متزلف ..ويصونها في النائبات جليل
واختر لنفسك صاحبا لوفائه..ان الصحاب لدى الوفاء قليل
....
ويذكر حكمة في بيت من قصيدة .صور الكلام
شأن الحروف كما خيل اذا ضبحت
ان لم تكن فارسا فاترك نواصيها
اخيرا استطيع القول ان الشاعر عبدالرزاق الساعدي لايعتنق اي قضية سياسية ..بل هو يواجه العصر بكل ارهاصاته من خلال انتمائه الانساني المحظ ...
......
جلال ساجت
9\ اب \2020 ميسان
_____/
القراءة الثانية .... رجب الشيخ
التدارك الحسي في قصائد الشاعر عبدالرزاق الساعدي
لابد الإشارة هنا إلى عملية التحولات الكبرى بالتدوين الراقي في جدلية الشعر ذات الشطرين والذي يكتبه الشاعر من حيث الأسلوبية المبهرة في صف الاشياء ضمن التفعيلة
الخليليه وحسب قوالب ممتعة من الأسس والمكنونات الحسية والوجدانية في معالجة جميع سبل الوصول بنوعية تعتمد على التناص الكبير مع من سبقوه من شعراء العراق امثال عبدالرزاق عبد الواحد ومحمد حسين آل ياسين وغيرهم ، لإكمال المشوار المرتقب في حداثوية المبتغى لإيصال المعلومة بطريقة تلقائية شديدة قريبة على الذات وموازيه ما يطلبه الشارع الثقافي العراقي والعربي ، فاعتمد الشاعر ببناء الأسس الرصينة في ديوانه الأول الموسوم( على خطى معلمي ) والذي يعتبر من حيث المبنى والانساق التي يعمل بها في العروض ضمن قواعد وبينات حقيقية ، حيث استطاع أن يرسم سيناريوهات درامايتيكية في هيكلة النص العمودي وبرؤى عالية الجودة...والتطرق إلى مواضيع شتى من الوصف الوجداني والثري من حيث الشكلانية حيث كتب عن الطبيعة والحياة وكل أشكال الصور الشعرية المتناسقة ضمن التركيبة اللغوية والبلاغية إضافة إلى الخيال الروحي الذي يتصل بها لتكوين القولبة الموثوقة في جمل ترادفية قريبة إلى أدلجة النفس البشرية التى تسعى إلى التسامح والجمال ...
فيقول الجرجاني
((وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول معنى/ ومعنى المعنى. تعني بالمعنى الظاهر للفظ الذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقد من اللفظ معنى يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر ))
ناهيك عن جزالة اللفظ ورص الجملة الشعرية دون الترهل او الإسفاف فتراه حريصا على بناء النص على الحدث الانوي وإبراز الجانب الجمالي لصياغة الحدث بصورة ربما أكثر وعيا من غيره ...وهذا ما أثار شجوني وادون ما ارتأيته من نظم متطورة وقريبة جدا إلى حداثوية الطرح المعتمد عل كثافة الفكرة بشيء من التروي والحكمة التي تسير بشكل متوازن مع أحداث القصيدة ..
لابد من وضع تلك النقاط المهمة على منضدة النقاش والحوار لجدلية التكوين المعرفي في خضم هذا الضجيج من الكتابات الطارئة على الساحة الثقافية والفكرية...
والتي تتسم بروعة الانبثاق في عملية الاختزال الشعري في عملية الاشتباك بالتأويل في النص واعطاء الفسحة لعملية التفكيك بين النص والذائقة ...
رجب الشيخ 2010 / 9/ 22 بغداد



تعليقات
إرسال تعليق